سيد محمد طنطاوي

304

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمقصود بهذه الرؤية : رؤية النبي صلى اللَّه عليه وسلم لجبريل - عليه السلام - لأول مرة ، على الهيئة التي خلقه اللَّه عليها ، عندما كان الرسول صلى اللَّه عليه وسلم يتعبد في غار حراء ، وكان صلى اللَّه عليه وسلم قد سأل جبريل أن يريه نفسه ، على الهيئة التي خلقه اللَّه - تعالى - عليها . والأفق : هو الفضاء الواسع الذي يبدو للعين ما بين السماء والأرض . والمبين : وصف للأفق ، أي : بالأفق الواضح البين ، الذي لا تشتبه معه المرئيات . والمعنى : وو اللَّه لقد رأى صاحبكم محمد صلى اللَّه عليه وسلم جبريل ، بصورته التي خلقه اللَّه عليها ، بالأفق الواضح البين ، الذي لا تلتبس فيه المرئيات ، ولا مجال فيه للأوهام والتخيلات . والمقصود من الآية الكريمة الرد على المشركين الذين كانوا إذا أخبرهم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بأنه رأى جبريل . كذبوه واستهزؤا به ، وتأكيد أن هذه الرؤية كانت حقيقة واقعة ، لا مجال معها للتشكيك أو اللبس . قال الإمام ابن كثير : وقوله - تعالى - * ( ولَقَدْ رَآه بِالأُفُقِ الْمُبِينِ ) * يعنى : ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن اللَّه - عز وجل - وعلى الصورة التي خلقه الله عليها ، له ستمائة جناح * ( بِالأُفُقِ الْمُبِينِ ) * أي : البين ، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء - أي بالمكان المجاور لغار حراء . وهي المذكورة في قوله - تعالى - : عَلَّمَه شَدِيدُ الْقُوى . ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى . وهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى . ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى . فَأَوْحى إِلى عَبْدِه ما أَوْحى . . « 1 » . والضمير في قوله - تعالى - : * ( وما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) * يعود إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم المعبر عنه قبل ذلك بِصاحِبِكُمْ . والغيب : ما غاب عن مدارك الناس وحواسهم ، لأن اللَّه - تعالى - قد استأثر بعلمه . والضنين : هو البخيل بالشيء ، مأخوذ من الضن - بالكسر والفتح - بمعنى البخل . قال الآلوسي : « وما هو » أي : رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « على الغيب » أي : على ما يخبر به من الوحي إليه وغيره من الغيوب « بضنين » من الضن - بكسر الضاد وفتحها - بمعنى البخل ، أي : ببخيل ، أي : لا يبخل بالوحي ، ولا يقصر في التعليم والتبليغ ، ومنح كل ما هو مستعد له من العلوم ، على خلاف الكهنة فإنهم لا يطلعون غيرهم على ما يزعمون معرفته إلا بإعطائهم حلوانا .

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 361 ، وراجع تفسيرنا لهذه الآيات في سورة النجم .